أحمد عبد الصبور : فن الأوبرا بدأ فناً نخبوياً ، وحالياً لم يعد يقتصر على الطبق الأرستقراطية ونجح في جذب شرائح جديدة

2

كتبت _ مروة حسن

إستضافت قناة النيل الثقافية المؤرخ الفني ” أحمد عبد الصبور ” في برنامج “واحة الفنون” من تقديم الإعلامية ” رانيا عادل ” ، وحلقة خاصة عن فن الأوبرا ، وتاريخ إنشاء الأوبرا الخديوية .

برنامج واحة الفنون، إشراف عام : أسامة بهنسي ، إشراف فني : أشرف الغزالي ، ومن إعداد كلاً من : محمد أبو بكر ، وإيمان ذكي ، ومخرج منفذ : أحمد فخري ، وإخراج : أشرف السايس .

وقد جاء أهم ما في الحلقة على لسان المؤرخ الفني ” أحمد عبد الصبور ” قائلاً :الأوبرا Opera كلمة إيطالية وتعني عملاً أو أثراً أدبياً أو فنياً وهي مشتقة من كلمة أوبوس Opus اللاتينية والتي تعني العمل الموسيقي المغنى .

والأوبرا فن نخبوي راقي ، حيث تعتبر الأوبرا من أرقى الفنون التي أبدعها الإنسان ، كما أنها تشمل على العديد من ألوان الإبداع، فالأوبرا فن يجمع ويمزج بين العديد من الفنون معاً ، مثل : ” القصة والشعر والموسيقى والغناء والتمثيل والرقص والمسرح وكذلك الديكور والأزياء والإضاءة “.

لقد نشأت الأوبرا بداية في إيطاليا في القرن السابع عشر ، ثم إنتقلت إلى باقي أرجاء أوروبا وأصبحت جزءاً أساسياً من الموسيقى الغربية الكلاسيكية.

وتعد المسرحية الأوبرالية ” دافني ” لـ ” جاكوبو بيري ” عام 1597 م ، تعتبر بشكل عام الأوبرا الأولى وبداية الأوبرا بالشكل الحديث ، ولكن المؤلف الأول العظيم للأوبرا كان ” كلاوديو مونتيفيردي ” الذي لا تزال أعماله تعرض وتؤدى حتى اليوم، وما لبثت الأوبرا بعدها إلا أن إنتشرت من البندقية وروما من إيطاليا إلى بقية أرجاء أوروبا، وبعدها إلى بقية أرجاء دول العالم .

ولأن ” الفن مرآة الشعوب ” أي عندما تريد قياس المستوى الحضاري لشعب فعليك أن تتابع الفن الذي يقدمه ، فكانت مصر كعادتها منارة للثقافة والفنون فهي أول دولة في أفريقيا والشرق الأوسط تمتلك أوبرا ، إنها مصر المحروسة التي ستظل دائما رائدة في مجال الإبداع بمختلف الفنون ، فمصر كما يطلق عليها هوليوود الشرق ، لإحتضانها ونشرها للفنون الرفيعة ، فهي قبلة المبدعين في السينما والمسرح والطرب والدراما ، فكان لابد من إفتتاح أحد الصروح الثقافية في مصر وهي ” دار الأوبرا المصرية القديمة ” ، والتي كان يطلق عليها في الماضي ” دار الأوبرا الخديوية “.

ويرجع تاريخ بناء دار الأوبرا القديمة إلى فترة الإزدهار التي شهدها عصر الخديوي إسماعيل في كافة المجالات ، وقد أمر الخديوي إسماعيل ببناء دار الأوبرا الخديوية بمناسبة إفتتاح قناة السويس حيث إعتزم أن يدعوا إليه عدداً كبيراً من ملوك وملكات أوروبا ، وتمت أعمال البناء في أحد أهم أحياء القاهرة ذاك الحين ، حيث سمى الميدان الواقع أمامها بإسم ميدان ” التياترو ” ثم ميدان إبراهيم باشا ، وفي سبتمبر عام 1954 م سمى بإسم ميدان الأوبرا ، وما زال يحمل إسمها حتى الآن .
وبذلك يكون موقع الأوبرا بين أشهر أحياء القاهرة بين حي الأزبكية وحي الإسماعيلية “ميدان التحرير حالياً” .

وضع تصميمها المهندسان الإيطاليان : ” أفوسكاني ” و ” روسِ ” ، وقد صنع من الخشب وكان يسع 850 مقعداً ، إستغرق بناء الأوبرا 6 أشهر ، حتى جاءت لحظة الحسم وهو إفتتاحها في يوم 1 نوفمبر من عام 1869 م ، في حضرة الخديوي إسماعيل والإمبراطورة أوجيني زوجة الإمبراطور نابليون الثالث و فرنسوا جوزيف إمبراطور النمسا ، وملك المجر ، و ولي عهد بروسيا ، والأمير هنري شقيق ملك هولندا ، ومسيو ديلسبس ، وسفيرا إنجلترا وروسيا بالآستانة ، والأمير محمد توفيق ولي العهد ، والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا ، وشريف باشا ، ونوبار باشا ، والأمير عبد القادر الجزائري ، بالمنصة الكبرى، حيث كان من أكثر ما يميز دار الأوبرا الخديوية ، أنه كان هناك مكان مخصص للشخصيات الهامة ، فقد إتسمت تلك الدار بالعظمة والفخامة .

وقبل أن يتم البناء كان العاهل العظيم قد شرع يهيئ لداره الجديدة تراثاً فنياً خالصاً يشير أول ما يشير إلى ماضي مصر المجيد ، فقد طلب ” ميريت ” باشا من الخديوي إختيار قصة من صفحات التاريخ المصري القديم تصلح نواة مسرحية شعرية ، و قد قام بنظم شعرها الشاعر الإيطالي ” جيسلا نزوني ” وعهد الخديوي إسماعيل إلى الموسيقار ” جوزيبي فيردي ” بوضع موسيقاها الرفيعة ، فكانت الأوبرا الخالدة ” عايدة ” بموضوعها الوطني المصري وأغانيها الجياشة وموسيقاها الرائعة من نتاج العبقريات الثلاث .

وتم إفتتاح الأوبرا الخديوية في الأول من نوفمبر عام 1869 م مع إحتفالات قناة السويس وعلى الرغم من إهتمام الخديوي إسماعيل ورغبته الأكيدة في أن تفتتح دار الأوبرا الخديوية بعرض أوبرا عايدة حالت الظروف دون تقديمها في موعد الإفتتاح بسبب تأخر وصول ملابس وديكور أوبرا عايدة من باريس ، وتم إفتتاح الأوبرا الخديوية بعرض ريجوليتو .

وتم عرض أوبرا عايدة ، التي كتب نصها الغنائي ” الليبرتو ” ” جيسلا نزوني ” ، ووضع موسيقاها الرفيعة الموسيقار الإيطالي ” فيردي ” ، بعد الإفتتاح بعامين في 24 ديسمبر 1871 م .

وظلت دار الأوبرا الخديوية في تقديم رسالتها الفنية الراقية حتى أحترقت في 28 أكتوبر عام 1971 بعد أن ظلت منارة ثقافية لمدة 102 عاماً ، ولم يتبق منها سوى تمثالي : ” الرخاء ” و ” نهضة الفنون ” وهما من عمل الفنان ” محمد حسن ” .

الأوبرا أخذت طابعاً نخبوياً ، حيث إستقطبت شريحة من الجمهور يمتلكون ثقافة خاصة في التعاطي مع الفنون والتفاعل معها ، وبذلك أصبحت علامة على الذوق الرفيع لدى كل أمة من الأمم .

ورغم قدم هذا الفن الذي تأسس في إيطاليا عام 1597 م، لكن كانت هناك عقبات كثيرة حالت دون إنتشاره .

ولعل أبرز تلك العقبات هو حاجز اللغة الذي شكل عائقاً كبيراً بين الجمهور والأصوات الأوبرالية ، وهذا من أحد الأسباب الجوهرية وراء عدم تجاوب الجمهور مع الغناء الأوبرالي وهذا طبيعي لأن كل شعب مرتبط بثقافته وتراثه ، والغناء الأوبرالي كانت كلماته غير مألوفة لدى المستمع ، وثاني أهم العقبات تراجع المسرح الغنائي الذي يعتبر الملاذ الآمن لإنتشار هذا الفن خاصة أن الفن الأوبرالي عمل درامي غنائي .

يبقى الغناء الأوبرالي هو الأصعب مقارنة بألوان الفنون الأخرى، فقد كان فن الأوبرا في مصر يُصنف في فترة زمنية معينة على أنه فن نخبوي رواده من الطبقة الأرستقراطية ممن تأثروا بالثقافات الغربية، ولكن إستطاع فن الأوبرا أن يتجاوز ذلك وجذب شرائح جديدة منها الشباب .

لقد إستطاعوا فنانوا الأوبرا المصرية أن يقدموا أوبرا بروح مصرية ، وقد شاهدنا ذلك في حفل المومياوات الملكية، ولذلك يجب دراسة إلى أي مدى يمكن تسويق فنون الأوبرا بهدف إستعادة الذوق الرفيع للجمهور المصري محافظين فيها على الهوية المصرية وثقافتنا العربية وتراثنا الشرقي ، خاصة بعد إنتشار ألوان مختلفة من الغناء ، ربما إعتبرها البعض سبباً في تراجع الذوق العام … !!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.