” لبنان ” بلا دواء

15
بقلم الكاتب الإماراتي- احمد ابراهيم

نَغمةُ البارود والدّيناميت والألغام والصواريخ والمتفجّرات ليست جديدة على شعب لبنان منذ عقود، ونغمة لبنان بلا كهرباء ولا مازوت هى أيضاً نغمةٌ معهودةٌ منذ سنين، ولكن لبنان أصبح بلا (دواء) من هذا الأسبوع، وسيصبح بلا (خبز) من الأسبوع القادم، إنها ترنيمةُ الصّدمة الجديدة لشعب لبنانالصيدليات أعلنت التوقف القسري من يوم الجمعة الماضي لنفاذ الأدوية، والمخابز قد تعلن الإغلاق بنفاذ المحروقات الأسبوع القادم، ومنظمة اليونيسف تحذّر من انقطاع آخر قطرة ماء للشرب عن 4 ملايين شخص بينهم مليون لاجئماسببُ هذه الّلعنة التي أصابت شعب لبنان منذ خمسة عقود؟الإنسان ينام ويصحو بشكل طبيعى كل يوم، وقد يصحو في عالم آخر إن كان ذلك آخر يومٍ من حياته، إنه القدر المقدّر على كل إنسان من كل شعوب الأرض

لكن بعض الشعوب ومنها الشعب اللبنانى قُدّر له صحواً ونوماً من نوعٍ آخر، هذا إذا كان له أصلا نصيبٌ من النوم الهانئ في حياته !
منذ سبعينيات القرن الماضى لم يعد يصحو الشعب اللبنانى على أصوات المآذن أو النواقيس، و لا حتى صياحُ الدِيَكة في القرى والأرياف، وإنما تمتزج معها وتلحقها وربما تسبقها أصوات القنابل والصواريخ والمتفجرات

سبعينيات لبنان ليست تلك التي تحسب أيامها بالتقويم الهجري أو الميلادي، وعلى أن فلاناً أصبح مراهقاً ثم شاباً ثم رجلاً ثم ينتقل من عجوزٍ إلى كهل قضى من الدهر عمراً عتياً وحان له أن يرتخي على الفراش وعيونه تراقب الباب الذي قد يدخله أي لحظة قابض الروح ملك الموت (عزرائيل)

عزرائيل اللبنانيين أيام السبعينيات لم يكن يدخل أبواب الكهول والعجزة بشارات قابض الروح، وإنما كان يلتقي بهم في الشوارع وعلى الأرصفة وفي الحدائق والمتاجر والمدارس والجامعات بأضواء القنابل والمتفجّرات، ولا زلت أتذكر تلك الأجواء وتروّيض الشعب اللبنانى نفسه على أن يتقبّل الواقع، ويخرج من بيته كى يعود أو لايعود، بل قد تعاد جثّته وأحياناً لا يُعرف له جثة بين الأشلاّء المتطايرة بالديناميت

كانت بيروت باريس العرب يوماً، عروس العواصم العربية، كانت قوة الثقافة للعالم العربي، كان يُحسب لها ألف حساب، لولا أن دولاً كبرى لعبت بها، قسّمتها، مزّقتها، حصّصتها !

العواصم الثقافية الأوروبية (باريس مثلاً) صديقة نفسها، وصديقة جاراتها، ثم انضمت إلى ما عُرف بالسوق الأوروبية المشتركة أو الاتحاد الأوروبي أو مجموعة شينغن، وغيرها، ما أضاف إلي قوتها قوة تلو أخرى، في المقابل فإن (بيروت) عاصمة الثقافة العربية كانت تنام في أحضان من يزرع الشقاق بينها وبين جاراتها، ثم أصبحت عدوة نفسها، وبدلاً أن تكسب أصدقاء جدد، أصبحت تخسر نفسها، تأخرت بدلاً من أن تتقدم، أصبحت ضحية خلافات داخلية أنستها المسائل الكبرى بالداخل والخارج

من إطّلَع على عريضة (الولاء للوطن) وهى وثيقة أطلقها ضباط متقاعدون مؤخراً من صالة رعية مار إلياس أنطلياس، وتحمل عنوان (سيادة وطن.. كرامة مواطن) يجد أن شريحة مخضرمة من المجتمع اللبناني تدرك أن السياسيين القدماء منهم والجدد لم يتعلموا من أخطاء سابقيهم، بل تمسّكوا بتلك الأخطاء، ورفضوا الإصلاحات إن كانت تتعارض مع مصالحهم الشخصية، فباتوا يقدّسونها تقديسهم لدينهم

الوثيقة تؤكد أن لا أمل في توقف نزيف الشعب اللبناني إلا إذا تقدّم إلى الأمام، إلا إذا أعاد السياسيون للشعب حقوقه الإنسانية، إلا إذا حكموا بالشورى وألغوا الطائفية، وأن يعيشوا الحضارة خالصةً دون مخالطة بتناحر العصر الجاهلي، وأن يصمدوا في قلاعِ الدستور، وليس قوانين الأحزاب والطوائف، وأن يؤمنوا بالخالق لا بالمخلوقين
لبنان يستطيع الخروج من هذه الأزمة إذا أُخرجت هيمنة الدًّولَرة من جيوب هؤلاء الذين يسرقون الأضواء، فأرصدتهم في بنوك سويسرا وباريس تهزّ عرش لبنان وترفع الليرة اللبنانية وتهبطها في آنٍ واحد بتوقيع واحد !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.